ابن عجيبة
595
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم ذكر سجن يوسف ، وما يتبعه من إخراجه ، وتمليكه وتمكينه ، فقال : [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 35 إلى 38 ] ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ( 35 ) وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ( 36 ) قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ ( 37 ) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ( 38 ) قلت : ( ليسجننه ) : مفسر للفاعل ، أي : ظهر لهم سجنه ؛ إذ الجملة لا تكون فاعلا على المشهور ، وجوزه بعضهم مستدلا بالآية . وقيل : محذوف ، أي : بدا لهم رأى ليسجننه . وقال الإمام القصار ، الفاعل هو القسم المفهوم من اللام الموطئة له ، أي : بدا لهم قسمهم ليسجننه . يقول الحق جل جلاله : ثُمَّ بَدا لَهُمْ أي : ظهر للعزيز وأهله ، مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ الدالة على براءة يوسف ؛ كشهادة الصبى ، وقدّ القميص ، وقطع الأيدي ، واستعصامه منهن ، فظهر لهم سجنه . وأقسموا لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ : حتى يظهر ما يكون منه ؛ ليظن الناس أنها محقة فيما ادعت عليه . فخدعت زوجها حتى وافقها على سجنه . وروى أنه لما أدخل السجن ندمت زليخا على سجنه ، وعيل صبرها على فراقه ، فأرسلت إلى السجان ليطلقه ، فأبى ، فلبث فيه سبع سنين . وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ أي : فسجنوه واتفق أنه دخل معه في ذلك اليوم رجلان آخران ، من عبيد الملك : ساقيه وخبازه ، اتهما أنهما أرادا أن يسمّاه ، قالَ أَحَدُهُما وهو الساقي : إِنِّي أَرانِي في المنام أَعْصِرُ خَمْراً أي : عنبا . وسماه خمرا : باعتبار ما يؤول إليه . روى أنه قال : رأيت كأن الملك دعاني وردني إلى قصره ، فبينما أنا أدور في القصر ، وإذا بثلاثة عناقيد من العنب ، فعصرتها ، وحملت ذلك إلى الملك لأسقيه له .